القرطبي

207

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لما أنزله منزلة صرف . وقال قوم : " إلى " بمعنى مع ، وفيه ضعف . وقال قوم : " إلى " بمعنى الباء ، وهذا يأباه الخليل وسيبويه . وقيل : المعنى وإذا خلوا من المؤمنين إلى شياطينهم ، ف‍ " إلى " على بابها . والشياطين جمع شيطان على التكسير ، وقد تقدم القول في اشتقاقه ومعناه في الاستعاذة ( 1 ) . واختلف المفسرون في المراد بالشياطين هنا ، فقال ابن عباس والسدي : هم رؤساء الكفر . وقال الكلبي : هم شياطين الجن . وقال جمع من المفسرين : هم الكهان . ولفظ الشيطنة الذي معناه البعد عن الايمان والخير يعم جميع من ذكر . والله أعلم . قوله تعالى : ( إنما نحن مستهزئون ) أي مكذبون بما ندعى إليه . وقيل : ساخرون . والهزء : السخرية واللعب ، يقال : هزئ به واستهزأ ، قال الراجز : ( 2 ) قد هزئت مني أم طيسله * قالت أراه معدما لا مال له وقيل : أصل الاستهزاء : الانتقام ، كما قال الآخر : قد استهزءوا منهم بألفي مدجج * سراتهم وسط الصحاصح جثم ( 3 ) قوله تعالى : الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ( 15 ) قوله تعالى : ( الله يستهزئ بهم ) أي ينتقم منهم ويعاقبهم ، ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم ، فسمى العقوبة باسم الذنب . هذا قول الجمهور من العلماء ، والعرب تستعمل ذلك كثيرا في كلامهم ، من ذلك قول عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا فسمى انتصاره جهلا ، والجهل لا يفتخر به ذو عقل ، وإنما قال ليزدوج الكلام فيكون أخف على اللسان من المخالفة بينهما . وكانت العرب إذا وضعوا لفظا بإزاء لفظ جوابا له وجزاء ذكروه بمثل لفظه وإن كان مخالفا له في معناه ، وعلى ذلك جاء القرآن والسنة . وقال

--> ( 1 ) راجع ص 90 ( 2 ) هو صخر الغي الهلالي . والبيت كما ذكره القالي في أماليه ( ج 2 ص 284 ) طبع دار الكتب المصرية : تهزأ مني أخت آل طيسله * قالت أراه مبلطا لا شئ له ( 3 ) الصحاصح ( جمع صحصح ) : الأرض ليس بها شئ ولا شجر ولا قرار للماء . والجاثم : اللازم مكانه لا يبرح .